أقصر من نقاهة

عندما كنت طفلة كنت أحب فقرة ” سلمى تسأل ” التي تأتي على شاشة سبيستون قناة شباب المستقبل، وكنتُ طفلة للحد الذي يجعلني حقا أتساءل معها: لماذا لا تمطر السماء حلوى؟، ويسرح خيالي وهو يصور مشهد المطر المليء بالسكاكر والشكولاتة، وعندما تتساءل: هل تستطيع التزحلق على قوس قزح؟، أجدني أتخيّـل الشّعور وأنا في تلكَ الزّحلقة الملوّنة ثم أخاف؛ لأنني لا أعرف أين تنتهي ولم يسبق لي أن رأيت الى أن تؤول نهايتها، وهل هي هاوية أم جنة؟

وفي كل مرة أشاهد فيها تلك الفقرة يقفز في ذهني تساؤل متكرر: ” لماذا سلمى تقفز على رجل واحدة؟” وبهذا بدأتُ حياة الطفلة المتسائلة.

لا أذكر أن أسئلتي كانت تتخطى رأسي ودفاتري، لأني كنت دائما ما أختبر أمي بالأسئلة العادية ولا أحب الحقائق التي أسمع فأتوقف، ولذا كنت احتفظ بذاك الخيال وكنت لا أنزعج من حياة علامات الاستفهام داخلي.

لا أدري لماذا اليوم أصحبت أكن لها كل هذا العداء؟ ربما لأن تلك العلامات تغذّت على بما يكفي لتصبح تساؤلات لا أقوى على تغذيتها بالصمت، ولم تعد مذكراتي تسعها، فكيف يمكن أن تحصر رزمة من الورق سؤالا مثل: لماذا يحصل ما يحصل؟ أو هل سيحصل ما أريده أن يحصل؟ كيف حصل الذي أريده أن يحصل مع من لا يريدونه أن يحصل لهم؟ ورويدا رويدا أغزر نفسي بسخرية ” ما طلعي الملحد يلي جواك وتريحينا بقي! ” *أمزح*

إن أحد التساؤلات التي أعيّش عقلي فيه افتراضيا هذه الأيام هو:

” لماذا لا نستطيع تعليب المشاعر والتجارب وردود الفعل؟ نعيشها كلها ولكن عندما نختار وفي الوقت الذي نراه مناسباً! “

بمعنى وعلى سبيل المثال لا الحصر، عندما أكون في فترة الامتحانات يُمنع فَتح صناديق الحزن وصناديق الارتجال؛ ويُسمح فقط بالعيش ضمن كل ما هو نمطي، عادي ومألوف.

في أيام العطل يُسمح بفتح كل الصّناديق غير المتوقعة، كل صناديق الجنون والحب وكرتونة الاعترافات أيضا.

وأيام الدوام كمثال أخير، يُسمح فيها بفتح ما يمكن التنبؤ بفترة تأثيره، كل صندوق أستطيع أن أخمن عدد الأيام التي سيضحكني فيها أو يبكيني، يقلقني أو يؤرقني، شرط أن أعرف المدة، يُقرر الخوض.

أرجع لأتساءل معك، لماذا كل ذلك التعقيد؟ كيف يمكن لعقل أن يستوعب شروط دقيقة وردود فعل لأفعال لا نعرف أين ستقع في المقام الأول… وما الداعي؟

سأقول لك لأن من أكثر الأمور التي أُخدش بها حقا هو شعور الاستمرار في الحياة رغم الرفض، رفض هذا الاستمرار، كما أنني أحاول الآن بشكل ارتجالي تذكر أول مرة شعرتُ بها بهذا الشعور؛ حتى أستطيع شرحه دون عناء اختيار المفردات الصحيحة.

كان عمري سبع سنوات؟ تقريبا. عندما أخذنا أبي من المدرسة بوجه ناشف العروق، متجهم غير مفهوم يعلنُ به عن وفاة أخيه، وفاة لم يستعد لها أحد، حتى غيابنا عن باقي حصص الدوام، وجدت نفسي معهم وهم من يعلنون توقف الحياة كلها لذاك اليوم والذهاب لحيث نبكي ونتألم لغيابه الذي أشعر أن الحياة تبرره الآن!

عمي الذي عندما أذكر اسمه لا ترتسم له أي صورة، ليس لدي أي تخيل عنه ولا حتى مشاعر أستطيع تحسسها، كل ما أستطيع وصفه به أنه كان مستقل الحياة وذهب مستقل الموت، في ذلك اليوم تقبّل الطفل داخلي توقف الحياة، كيف لا يفعل وهو توقف سيريحه من الدوام لأيام كما كان يعتقد، لكنه وفي أول اجتماع عائلي؛ قررت أمي مع أبي أنه لابد أن نداوم، أذكر أيضا أنه كلما دار حديث عن ذلك اليوم تحرص أمي على أن تقول ” لكن مرواح الصغار من المدرسة كان غلط”، صحيح ورجوعهم كان أيضا ” غلط”

بالمناسبة أعترف أن كرسي التنظير الذي نتخذه نحن الأبناء عندما نريد تقييم تصرفات أهلينا وأثرها علينا مُسلّي وجميل، بالرغم من أن الحقيقة تقول إنهم أيضا يمارسون هذه القرارات لأول مرة، فلا بأس بذلك الخطأ، بأس كبير كان ولكن ربما حقا لا بأس بذاك البأس.

بعد رجوعي للمدرسة في صباح اليوم التالي انسلخت مشاعري، كيف يمكن أن أدرس وصور أمي وأبي وجدتي في عقلي، هناك جمع غير معقول من الناس يملأ الحزن قلوبهم وأنا هنا ليس في قلبي حزن ولا فرح ولا أي شيء، فقط أشعر الانسلاخ عن واقع متعدد الأوجه، أحدها الاستمرار في الحياة كخطيئة، واستقبال الموت كفاجعة، وذنب لا أحد يعلم على من يقع عاتقه.

كان على الحياة أن تتوقف قليلا حتى نفهم، لكنها لم تفعل؛ فكبر الشعور معي، ذاك التركيب من الأحداث تكرر. ولأن شرحي الدقيق لهذا الشعور لم يكن من المعقول أن تدركه طفلة بسبع سنوات، ها أنا أدركه لأنه تكرر معي بعمر الـ19 في العدوان الأخير على طرابلس، وفي عمر 20 عند وفاة جدتي، وفي 21 في آخر حرب على غزة، وفي غيرها من الأزمنة ومختلف الأحداث، ببساطة شعور أن يرغب الإنسان داخلك أن يرفض، ويريد باحتياج حقيقي أن يحزن ويتألم ويتوقف مع كل ما يحدث؛ ليدركه ويحترمه لكنه يجد أن الحياة لا تقبل، لا تتوقف، ولا تعلن الحداد ولا لنصف دقيقة، ولذا وُجدَتْ أحكام ناقصة؛ حيث لم تفهم مدرجات الجامعة ولا الزميلات أن اجتهادي في التبسم هو حقيقي ولم تعرف أمي أن سبب تأخري في المطبخ مع ثلاث صحون فقط ليس بطئي ولا قلة مروءة عملي ولكن عدم قدرتي على الممارسة الطبيعية لمتطلبات الحياة، إن عقلي يصبح مشغولا لحد لا أستطيع معه حتى التفكير في التوقف، يصبح مثل أنه في كابوس تريد أن تستيقظ منه، تعي أنك تحتاج الآن وفورا أن تستيقظ لكنك لا تفلح، لا تستطيع، لا تملك الإرادة لتحقيق ذلك، وأحيانا تفقد رغبة تحقيق تلك الرغبة، إنه أن يتحول عقلك إلى خسة ضخمة.

إنه واقع لم يحضرني له أحد، حقيقة أن عليّ بشكل لا يقبل الاعتراض؛ الاستمرار في حياتي بشكل تفاعلي، وأن لابد أن تكون على رأسي الدائرة الخضراء موجودة، أن لا قبول لوضعية الشبح ولا للتظاهر بعدم التواجد، أنت موجود حقيقة ومجازا إذا أنت تتفاعل على مدار اليوم كله، أن يكون كل ذلك مسؤوليتي الخاصة.

لقد سببت لي لعنة الوعي بتركيبتي هذه تأجيل القرارات التي نتائجها تحمل احتمال الحزن، ولأنني مثل كل الناس لا أحصل على واصل انتهاء الحزن أو مدته، فكانت إرادتي تنحصر في اختيار وقت البدء لأن الخوض كان رغبة لابد من انتصارها، لكن الحزن جاء ورغم بدئه في وقته إلا أنه تعدى علي في الجامعة اليوم، فعندما دخلت القسم، أول كلمة قلتها وأنا أمد عيوني على عبارة ( قسم الرياضيات – جدول تنزيل المواد )

كيف بنبدا قرايا وانا ثقيلة

وإلى الآن لا أردي ولكن سأبدأ

صندوقٌ مفتّت

في البداية ستظن أنه يكفيك تحرير عقلك من معتقدات أورثتها لك هذه المنطومة لتحيا وتدرك الحياة، ولأن عقلك بالكاد استطاع أن يفكر في التحرر من أصله لن يعرف أن هذا ماهو إلا بداية لرحلة لن يستطيع الوصول لنهايتها قط.

فبعد أن يصيبك هلع قزميّة المحيط؛ ستتسع الحياة و ستُفتح عيونك على خيارات كثيرة جداً، لكنها ستكون صاخبة الصدى؛ لا يقوى عليها صندوق زجاج القيم الذي بالكاد تحاول لمسه بالأسئلة فيتفتت..

تتنفس، تحاول التوازن، ثم تشعر كما لو أنك وجدت الشفاء؛ عقار إشغال النفس بالنفس، بإصلاحها تقويمها، وعملها وفق ما تم تجديده في عقلها. ببساطة أن تحرر نفسك وتعمل بهذا لحياتك وما يخصها فقط، ليس عليك من كل آخر.

ستصنع عبارات لذيذة تطمئن وعيك بها، وتستفز بها شجاعتك، ستقول: سأكون ممن يدركون هذه الحياة لا ممن يكتفون بالنظر إليها وهي تفوت…ثم وبعد أن يقترب المشهد من الكمال؛ تصفع…

تصفعك يد ذلك الآخر، يتعدّى عليك هو وصندوقه و يخدش كل مافيك، بل ويفعل أكثر من ذلك، يقزمك! ليس أمامه طبعاً ولكن أمام عقلك، أمام وعيك الذي أصبح أكبر من أن تسيطر على فهمه ووعيه، ستجد نفسك فاهماً للاهانة واقفاً أمامها، ستبصر الظلم وهو يظلّك، والتعالي ناطحة سحاب ستبنى أمام عيونك، ستفهم الكتم عندما يتم تجاهلك وستشكُّ في وجودك المكذوب عليه، ستقف أمام المرآة لتعرف أنك لست الجوكر فتسأل لما كل هذا الضحك؟، ستعرف النرجسة والسايكوباثية، وسيحلل وعيك كل المدخلات، ولن تتخذ الجهل خياراً للنجاة قط، سترغب ولن تعرف، ستحاول وستفشل، ستتألم وتبكي وتصرخ ثم ستسجد شاكرا على ما تملكه، لأنه على أكبر وأهم معنى يجعلك تستمتع في المحاولة والمقاومة.

محاولة إيجاد حل، ثغرة تنقذك، فطرة تفهمك، سرب تائه مثلك… وربما تجد، ربما…

لكنه سيعترف لك بالآتي: لديك طريقان فرعيان:

الأول أن تعيش وتمارس الحياة وفق ما تؤمن به شرط أن تحتمل كل ما يمكنه أن يؤذيك، مع احتمالية لطيفة وهي انتهاء المطاف بك مع آخر يحاول أيضاً فوجدك…

طريق مؤذي، صعب، مهين في كثير من الأوقات، سيتجاهلونك، يستصغرونك، سـ… -آسفة- ولكن سيكفرونك، أجل سيدخلون بينك وبين ربك ويقولون ” لست مؤمن! ” ولكن قد تجد من يقول لك: ” أخيراً، كنت أنتظرك.”

الطريق الثانية آمنة، تضمن لك نصف حياة، تخنقك وتتفضل عليك بهذا الاختناق…

إنها أن تنسى ما وجدته، تنكره وتتجرد منه، أن تكذب وتصدق أنك إنسان واهم، مغسول الدماغ، وأن تلك الشعارات ضحكت عليك وجعلتك ترى في هذه الحياة أمورا لم ينزل الله بها من سلطان، ستنسى، يجب أن تنسى أن الفكرة الأولى عن الإنسان هي طُهر نفسه والانطباع الأول هو صدقه مالم يُجبر، ستعكس المعادلة، وتؤمن أن السيء له حق الحب، والأناني له حق الفوز، أن النرجسي هو الأفضل، والمصلحة الخاصة هي أولاً وثانياً وأخيراً، لست مسؤولاً إلا على سعادة نفسك، بال*** والمال وكل من يعترض جنى على نفسه وليس ذنبك أبداً أنك ستنهيه… ستفوز بكثير من الأمور في هذه الطريق ولكن ستخسر و للأبد؛ معنى الإيمان، الحب، ونفسك.

فاختر… وجد..

ني.

حقيبة المتعبين

جميعنا يتكئ على حياته في لحظات تعبه، محاولاً استخراج بعض الطمأنة من جبال قلقه، فبالتفكّر فيها نُقنعنا بالوقت الكافي للتشافي والتعافي والارتياح من كل الأوجاع، ننسى أنها رحلة تعب، ونتناسى أننا ضعفاء، نتذكر كل الطرق التي سلكناها ونقتات على نجاحاتنا الصغيرة فيها، نرى قوتنا التي يوماً ما استطاعت أن تزيح صخوراً أعاقتنا؛ فـتتجلى رغباتنا القادرة وماهيتنا النقيّة.

نجلس اليوم كتفاً لكتف -نحن المتعبين- ونفكر في إعادة ترتيب ما نحمله داخلنا في هذه الرحلة، نتأمل جيداً في كل الذين نريدهم حقا أصدقاءً، في من يشكل وجودهم كل الفرق ومن لا يزيدنا حضورهم الباهت إلا ثقلاً؛ فلا تحتاجهم الروح ولا تستحقهم لذة المشوار وإن كان فيهم ما نحبه.

 حقيبة العمر ممتلأة بالرفقاء، اللحظات الفارقة، بالأخطاء، الوعي، العبث والمعنى، ومهما تمكن منا التعب وطال شعورنا بالسقوط، فنحن يقيناً نعلم أننا سننهض ونكمل دون الاكتفاء بما قطعناه من الدرب.

سنعرف حينها أن مشكلة سقوطنا كانت فقط بما أسرفنا به على أنفسِنا، ولذا سنجد أن علينا الإقرار بضرورة فتح حقيبة العمر وعدةِ السفروالاعتراف أمامها وأمامنا بمن نحتاجهم فنكمل معهم ولهم وبهم، ومن لا نحتاجهم بل نتوهم أننا نفعل فنتخلص منهم ومن وهم وجودهم أو غرور جودتهم.

وبالنيابة عن كل من يجد فكرة الاعتراف والتخفف صعبة وغير مفهومة، أنا هنا أفعل جزءاً منها أمامكم ولكم، تذكيراً مني يريحني ويربّت عليكم ويسقي ظمأكم…

لقد أخطأنا يا أصدقاء، لقد أخطأنا حينما قلنا لمن صادفونا في طريقنا إنهم معنى الرحلة وإنهم البداية والنهاية، أخطأنا حينما عنوَنَّ الطريق باسمهم فنسينا أنها طريقنا والدرب لا يُعطى ولا يُهدى ولا يُوهب. أخطأنا حينما تظاهرنا ببعض الجهل والصغر – حُبَّ– أن يشعروا أن أحاديثهم لنا حقائق مدهشة لا بديهيات سخيفة، لأننا ظلمنا الحقيقة تمكّن الملل منا طوال الطريق.

أخطأنا حينما صفقنا لأخطائهم! آه وكم كان الخطأ هنا لعنة علينا، حينما قلنا لهم إننا لا نستطيع – وكنا لا نريد – رؤية اعوجاج سيريهم وخطواتهم، ظننا أن التصفيق لأخطائهم يعني قبولهم في السيء قبل الجيد، وأن هذا ما سيجعل أرواحهم تفكر في الصلاح لنفسها، وهنا وقعنا في حفرة الاستثناء وكانت مليئة بشوك الواقع الذي أخبرنا أننا لسنا محميين من ذلك السوء الذي تعدّوا به أنفسهم وأهليهم، وأنه لا تبرير لمن يتنرجس لسانهم حتى في الحديث عن أهل رحلتهم وأصدقائها سوى أنهم غارقون في عشق تلك الأنا، ومن يفعل السوء يستمرؤه، من يستغني عن صديق مرة؛ يستغني عن آخر مراراً، ومن يظلم نفساً وينام هنيئاً ولو لبرهة؛ سيظلمك وينام قرير العين الدهر كله.

وأخيراً، من لا يحب السير على الرصيف لن يحبه فقط لأنك معه!

وبعد ركض كل تلك المسافة، تتملكني رغبة الاعتذار عن جلدٍ كان لابد منه، أجلس بعده على حافة الحجر، أمامي لافتةٌ تنتظرني لأكتب عليها تذكيراً ما، به ألخص ما علمته لي الأخطاء وجلدني به الحُمق، عبارة لكل من يفكر (زيارتي) في الرحلة، كل من قد يصادفني أو أصادفه، وكل شيء سيلفت انتباهي دون أن يعيق حركتي.

 فـأكتب ” إذا لم تكونوا أنتم، فتمّت آخرون! “

بكل ما في هذه الجملة من واقع واكتفاء، بكل ما فيها من استغناء عن كل ما قد يخدش هذه الروح.

إذا “لم تكونوا أنتم” ومهما كنا نحبكم وعلى رغبة في اسراف حكايتنا عليكم، إذا لم تكونوا كما يكونوا الرفاق في الطريق، إذا لم تكونوا ممن يستحقون ما في قلبنا من ولاء ويقين واطمئنان، وفي طريقنا من حب وضحك وفرح، فلا بأس…لا بأس أبداً، لن نكرر أخطاءنا، لن تكونوا كما لو أنكم القطعة الأخيرة في الأحجية، لن نقول لكم سنكمل وحدنا إذا لم تكونوا أنتم، أبداً، ثم لما؟ لن ندخل الحب من باب التفاني والتضحية، نحن نريده من باب العطاء والاستثمار.

وكل ما نريده هو أن ترحلوا، ارحلوا على الفور، غادروا ولا تجعلونا نسرف دقيقة واحدة معكم، فنحن نريد أن نكون مشغولون بالبحث عن ” آخرين ” يبحثون عنّا، آخرين على مقاس قلوبنا وأحلامنا، آخرين جديرين بالحصول على كل الجمال والطهر والصدق، تستحق طرقهم أن تتكلل بالمعنى، ونعرف بهم كيف نرتاح في الغياب قبل الحضور.

” إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا *** أن لا تفارقهم فالراحلين همُ ” – المتنبي

نحتاج من يستحق أن ننصت إليه حتى ينتهي وأن يسمعنا حتى نمل الكلام، من سيبقى مُكملاً المسير وإن كان مستحيلاً وسيربت وإن كان التربيت شقاء. تحتاج من لديهم قيمة تضاف إلى حياتك، معنًى ورحمة.

 فكثيرون يستطيعون المشي، كثيرون يستطيعون الثرثرةَ بالحب والمدح وبناء قصور من العهود والأوهام بالحروف، لكنهم قِلّة من لديهم من المعنى ما يعطوه ومن الرحمة ما يشاطروه. جاهدنا لأجل صقل هذه النفس الراغبة بالخير واللطف والصدق والرحمة، ولذا لن نسرفها قط على من لم يعرف هذه المعاني يوماً.

ويا من يلوثون الطريق بالزيف، لا تتوقعوا أن تكونوا محور كون لم تصنعه حقيقة واحدة، إن محوركم هو جبل من الوهم، طوفوا عليه وستجدوا حوله كل من يشبهكم، أما أنا والطاهرون فنبارك لكم هذا الضياع وتلك الحسرة.

تنويه*

هذه التدوينة لا تناسب الجميع، لن تصل للكثيرين، ولن يحبها البعض.

تأملات إنسان حُر

في ثنايا البوذية نجد البوذيين يحذرون من الرغبة يقولون “عليك أن تتجرد من الرغبة” ويربطون النجاح في ذلك بالوصول إلى كل ما تريد، إلى السعادة أو حقيقتها، ولكن كيف يمكن أن نتجرد من الرغبة؟ ربما ببساطة هو بأن نموت -بطريقة ما! – ؟

في كثير من الأوقات نحن ننقاد إلى مواراة الأجوبة والحقائق، جواب مثلاً: ما الذي يجعل العجزَ قادراً على أن يأخذ كل هذا الحيز من حيواتنا؟ فمهما بدت غاياتنا سخيفة أو بسيطة، حالما تُدرج كرغبة تدخل المزاد العلني فيراهن على امتلاكها اثنان: الخوف والمستحيل، وتبدأ العروض في التنافس، تخرج أنت لا تدري من أين؟، رقمك ” عاجز” وقد يكتب بطرق أُخرى يستمر في مضمونها التنافس الفقير داخلك. عندما ترغب تُبرمج على إقران هذه الرغبة بعجزك عليها، وهذا العجز يحضّر لك من الأسباب المنطقية ما يحميك ويجعلك تحبه، فأنت عندما تفرُّ بحجته لن يلومك أحد على أي شيء، لأنك عاجز!

لكنّي أتفق معك في أن هذا سبب تافه لتبني عليه موقف اللا تغيير.

خذ أسبابا أخرى أكثر أهمية!

العجز يحميك من الشعور بالمسؤولية، ثالث أسوأ شعور بعد الخذلان والغضب،يجردك من مسؤوليتك تجاه نفسك وأمامها، فتفكرُ في أيامٍ أن تسأل للانسياق نحو الجلاد طواعية: ” ليش مانكش أحس نسخة من نفسك أمس ولا حتى قبل ثلاث سنوات؟ ليش حياتك أيام متشابهة لهذي الدرجة؟” لكن أجراس الرحمة سريعاً ما تُطرق وتُطلِق سراحك بـ عبارة واحد تُقال داخلك:  “أني عاجز عالتغيير أصلا وبعدين مافيش فايدة” فتُسامح. مسؤوليتك أمام طفلك مثلاً، أو أمام شريكك الذي لا ينتظر منك شيء سوى أن تستمر في الرغبة فتفضل أن تهديه أول أسوأ شعور عرفه البشر بثلاث حروف وتبرر ذلك بأربع وتهرب وحدك من قائمة الـworst three لتجد نفسك في حلقة، حلقة آمان، لن يُطلب منك شيء فيها،ولن يُنتظر منك شيء… لأنك عاجز، أنتَ ميؤوس منه، هامشي، قريبٌ من كلمة منسي! ذكرني من تكون؟ أي شيء حقير أنت؟  نكره؟ أبسط من ذلك؟ لا تضاف ولا يضاف لك ولا تجر على شيء حتى تقبلك المعرفة أو هذه الحياة؟ 

لكن لنحاول قول الحقيقة لمرة واحدة! أنت تحب ذلك فبهذا لن يكون عليك تكوين آراء أو تفنيدها، ليس عليك أن تفكر، لا أحد ينتظر منك أن تكون أفضل أو أسوأ، لا أعداء ولا حتى صديق واحد، كلهم استطعت وحدك أن تبعدهم، وتركن نفسك في دائرة صغيرة في هامش آخر صفحة في هذا الوجود، ولا زلت تستطيع أن تطمئن هذا العجز الذي أرهب كل كيانك، لأنك كريم تحب أن تأتي له بالأمان الذي يكفيه ليبقى معك، تقول له مجدداً: 

“لا أحد يستطيع إيقاف العاجز عن الوقوف، ومن ثَمَّ لا يوجد جدوى من كل هذا على أي حال، ماهي الجدوى في أن أرغب؟ لاشيء، لاشيء فهذا العجز هوالمعنى النهائي.”

وأنا أستطيع أن أقول لك:  صحيح وصلت، وصلت لأنك ضللت الطريق، تحررت كبوذا لكنك الآن فقط مت كإنسان حُر. 

هرم الأدب والحب والخوف … رسائل كافكا نقطة المركز.

    أن تكون في علاقة محكومة بالخوف والكتابة والأسرار، حيث الخيال أكثر أهمية من الحقيقة و طوابع البريد أكثر ضرورة من الأدوية.

رسائل كافكا إلى ميلينا هي حزمة من الأدب والألم والحب، تحكي كيف يحمل قلب واحد وروح واحدة كلَّ هذه الرقة و القلق، كل هذا التعب والإبداع، وكل هذه التعاسة والعمق الروحي، وكيف للحب أن ينقذنا ويتِوه بنا ثم يؤلمنا كما لو كان مكيدة لا هبة!

من الممكن أن لا يكون ذلك هو الحب الحقيقي، إنني حين أقول أحبك فإنني أغرس سكينا داخل صدري وأديرها، وأنت قلتها لي بنفسك…إن من لا يملكون القوة على الحب يملكون تمييزا كافيا بين الحيوان وبين الإنسان!.” كافكا- براغ 1920

في قراءتي لمجموعة الرسائل التي كتبها  كافكا وجدت داخله تلك الروح المتعبة التي ليس من اللطيف أن تقول إنها قريبة من روحك بل إنه تشبيه لن يريحك، وجدت فيها معنى أن تكون إنساناً خائفاً ثم كاتباً خائفاً ثم عاشقاً خائفاً ومعنى أن تنتهي حياتك مع مرض وحيداً يأكلك الأرق.

فرانز كافكا يهودي تشيكي ولد في براغ، ولكن ربما تعريفات نمطية كهذه لن تفيدك في التقرب من معرفة هذا الرجل، عمل في وظيفة وفّرت له كثيرا من وقت الفراغ الذي منحه للكتابة، ولأنه رجل يقتات القلق والخوف عليه كان لا ينجح في إقفال كثير من الحيوات التي كان يحاول كتابتها، فكانت لديه كثير من الروايات المتروكة دون نهاية، أما الكتابة عن حياته ولها فوهبها لميلينا التي وهبته  الراحة والسلوان وكانت مخرجه الوحيد من غيابات التعاسة. ” أنتِ القوة التي استمد منها الحياة “

بعد تراسل بدأ تقريبا في إبريل 1920 وانتهى مع نهايات نوفمبر 1923، توفي كافكا في 1924 فنعته ميلينا في إحدى الجرائد فكتبت:  ” توفي بالأمس فرانز كافكا، قلة من يعرفونه، كان خجولا وطيبا، هو أحكم من أن يعيش وأضعف من أن يقاوم، لكن سبب ضعفه كان ناتجا عن مواجهة الخوف وسوء الفهم”.

لا شك أن كافكا أيقونة لا يمكن إغفالها، وأننا – نحن الذين قرأنا له ودهشنا-  مدينون لصديقه الذي لم ينفذ وصيته التي نصت على أن يتم حرق كل مخطوطاته بعد موته فلم يستمع إليه ونشرها، ماكس برود الذي كان سببا مباشرا في إعلام الأدب العالمي أن هناك من يستحق أن يذكر ويُـتذكّر ويشاطرنا الرحلة دائما.  

ميلينا

” حبيبتي… إنك شعاع متوهج من العواطف يغطي الكون ويضمني نحوه بشدة، إن نورك لا يمكن أن يُهدى لهؤلاء المعتكفين على أنفسم، إنما لهؤلاء من يمتلكون البصيرة … لكِ ” ميران 1920

ربما لا تكون العلاقة التي ربطت هذان الكائنان علاقة حب أكثر  من أنها علاقة احتياج، لكن ذلك المكتئب الحزين كان ينزف على الورق ليشرح قلبه وشعوره، ليعطيها من الحب ما يحتاجه وتعطيه هي -ومن الواضح أنها كانت دائما ما تنجح في ذلك-  تعطيه ما يحتاج من الطمأنينة.

غياب رسائل ميلينا التي كتبتها عن السياق يجعل المشهد مبتورا وناقصا، يجعلني أتخيل ما يمكن أن تكون قد قالته وأتمنى ولكن غيابها يجعل أشياء كثيرة ناقصة ومع ذلك هذه الرسائل الرائعة تجعلنا نقترب من روح وفلسفة العزيز الخائف، نقرأه بقلبنا وندركه بمشاعرنا التي تختلط وتتوه وسط حيرته وأرقه.

                فلا أنسى تساؤلَـه الذي علقته على أيامي بعد قراءته:

”  كيف سأحيا كجزء منك وأنت كجزء مني من دون أن أستسلم للحياة وأنا خائف؟ “

ولعله يكون من أصدق التساؤلات التي لامست قلبي القلق الذي ينبض بالخوف والفرح.

مزيج الشعور هذا داخل فؤاد الإنسان هو من أصعب ما يمكن أن يتخيله عنه إنسان آخر، لآنه عند الآخر منافٍ للمنطق، كما أن من شأن كل الأسباب دحض أحد هذه المشاعر على الأقل. فإما أنك تعاني وتتألم بيأس خائف وإما أنك فرح مطمئنٌ تعيش أيام هنائك وتخبؤها عن الجميع خشية أن ينفخوا عليها بعيونهم… ولكن الأول، ذلك الغارق بطريقة موازية بين فرحه وخوفه، بين هلعه وحبه، لا يدري أين يذهب بكل هذه المشاعر التي تجتاحه.

فيمكن للإنسان حينها أن يناقض العالم ومن ثم نفسه، أن يبكي فيقسم الجميع على أنه يتلوى من الألم لكنه في ذروة سعادته، ثم يضحك فيقسمون على سعادته لكن الخوف يقتات عليه.

يستطيع كافكا وغيره أن يعيشوا في هذه الدوامة، ويستطيع آخرون محاولة فهمها، لكن حينها وعند وجودها سيكون، ستكون أنت في حاجة لشخص آخر؛ يقرأ ، يفهم ويعيش معك كل ما في داخلك لأنه جزء منه، فأن لم يوجد هذا الآخر فإنك حينها حقا تقسوا على نفسك، تعيشها المستحيل كما فعل كافكا، وتجد نفسك في حلم لا يمكنه التشكل حتى في منامات بعد الظهر.

كتاب يُقرأ وقلب يُوقف للتأمل فيه.

رسالة انتحار لِكائن اجتماعي

كلّما تمعنتَ في ذات الإنسان وحياته تُـدرك بشكل تلقائي حقيقة أن الكائن البشري مولود في رحِم الألم، فقد جعل القرآن خَلق الإنسان في أحشاء المعاناة ” لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ“، أي أنه خُـلق صديقاً للمشقة وملازما لها، إلا أن عيش كل يوم بإيمان يدقُّ أجراس هذه الحقيقة شيء يحتاج من الوعي ما يحتاجه، كما أن السعي وراء الخلود المستحيل هي رغبة الإنسان الأولى “هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ “، و حصوله على اللذة هو مفتاح إصراره على خوض المزيد من نقيضها.

إن البحث عن السعادة وتسخير الوقت للدوران حول سرابها هو ما يرهق الإنسان بل ويزيد من عذاباته. أستطيع بسهولة قول حقيقة أن الجميع غير معفيٍّ من آلام الحياة، رغم صعوبة الرضا والتعايش مع ذلك، فجميعنا سنتجرّع من كأس العذابات جرعات متفاوتة وسنسكر بالدموع والخيبات بمقادير مختلفة، فـ لا مفر من ذلك ولا مهرب.

ولكن ما الذي أسعى إلى قوله؟

‏من غير الصائب أن يقول الإنسان أن لا سعادة على هذا الكوكب، من نقص في الفهم وغرق في الآلام، الحياة مليئة بالمسرات الصغيرة، لكنها خاطفة، سريعة، وكبرياؤها عظيم يحب أن يُـبحَث عنه لا أن يُتوفر بسهولة الضحكة!

فعليك أن تعي يا صديقي أننا داخل دولاب يدور حول الفرح قليلاً وحول الحزن أكثر، وأن عمق شعورك بالسعادة يؤكد وعي مشاعرك بِـنقيضها، وكما قال كثيرون: لن تعرف الفرح إذا لم تختبر الحزن والألم.

ومع كل ذلك ينقسم الناس في هذه الحياة إلى نوعين، نوع يَـجد الحياة تجربة صعبة ومؤلمة، ونوع يحب جَعل الحياة على الآخرين تجربةً صعبةً ومؤلمةً. فيسير ذلك المبتلى في عجلة حياته، داخل مراحلهِ المختلفة، يتغير فيها ويكبر ويزيد نضجه عن كل فترة مضت، حاملاً على أكتافه ضريبة ما استلذ به و نتيجة ما خسر فيه!

‏وكما نعرف أن الحياة ليست فيلماً سنيمائياً بطبعها؛ فـَ نحن لن نخرج أبطالاً منتصرين عند نهاية كل فصل منها!، فليس كل مرحلة نمر بها، نأكل منها وتأكل منا؛ تعادلنا بالنضج والسلامة، بل كثيراً ما يحدث العكس.

إننا ضعفاء، فلا بأس أن نخرج من مصابنا -صغيراً في أعين الآخرين كان أم عظيماً- نخرج مشدوهين، مصدومين كمن تلقى صفعة من جدته، لا بأس أن يُهزم حبنا للحياة وينهش الشك جميع تفاصيل وجودنا، قد نصغر في عين أنفسنا ونخسر في لعبة الحياة، قد نشعر بشعور الطرد من لذة العيش خائفين من استئناف رحلة الألم، مبعثرين، تائهين كمنفيٍّ في وطنه.

‏وكما يُزرع في رحم الألم، في روحه تنبت بذرة الأمل؛ فـيحاول أن يجمع كيانه في ذاتٍ تحتويه، وفي الوقت نفسه يحاول تدارك كل شيء مع من حوله، يحاول أن يكون رحيماً مع نفسه المنكسرة ولطيفاً مع الآخرين، يحاول أن يبقى كما كان معطاءً، راغباً في الحياة، منطلقاً!

يحاول أن يمثّل ويتظاهر لكنه يفشل، يفشل ويعترف لنفسه أن إحساسه الحقيقي لايود إلا أن يتكور على نفسه كشرنقة أو أن تعيده الحياة إلى رحم أمه، أنه يريد أن يصمت، وكلما فعل شعر أنه يريد أن يصمت أكثر، يريد أن يبتعد ولما ابتعد شعر أنه يريد أن ينأى بروحه لمكان أبعد، يريد أن يبكي، أن يمشي، أن يختفي، فقط يختفي حتى يرتب نفسه من جديد لضجة الحياة.

أجل يحتقر نفسه في أوقات كثيرة لأنه يعترف أنه يريد أن يتوقف عن العطاء، أن ألم الآخرين لا يهمه، إحتياجهم له لا يريده، ويبرر بأن منبع ما كان يجود به قد حل عليه الجفاف، وأنه يعطي من روح عطشة، يعطي ثم يرجع ليداوي نفسه فلا يجدها تستحق إلا الشتم على ما أسرفت به على آخرين، آخرين لا يستبعد أنهم يتمتمون عن نقص وانتقاد لهذا العطاء.

تخرج الأمور عن السيطرة فيصل لترديد عبارة” حسناً دعه يذهب دعه يمر”، يجد أن في داخله شعوراً لا مبالياً يكبر، يشعر أنه كلما تقابل مع أحدٍ أو تحدث إليه آخر كأنما وُضِع حجر ثقيل على صدره، يتلاشى هذا العبء مع الصمت ويتفتت فقط بالإبتعاد.

ومع كل ذلك مازلتَ تحاول أن تشرح نفسك إذا ما شعروا أنك تتعزز، أو أنك تتخلى وترحل، وتريد فقط أن تقول أن كل هذا يحصل لأنك خَسِرت، ويستحيل تعويض خسارتك، وأن الأمر غاية في الخصوصية والسرية، وأنك تراني بخير لأن كبريائي يصرّ على ذلك.

وتتذكر ماقالته تلك المرأة لـدوستويفسكي وتود لو أن يعرفه الجميع ويفهمه: “ليس من حقك أن تحكم على الآخرين لأنّك لا تجيد الألم، ومن أجل أن يُنصب المرء نفسَه حاكماً وقاضياً يجب عليه أن يكتسب حق الحكم بما يقاسي من الألم.”

فـهل تكتب رسالة تطلب منهم فيها عدم الزّج بك في ظلمات الحكم، وتعترف أنك تبتعد لحفظ الود؟ وأنك أُتلفتْ، وما عدتَ صالحاً للحياة وابتساماتها؟ أنك لا تبالغ ولا تصطنع الدراما لكنك تعبت. وأنك لا تتجنبهم لأسباب مباشرة وشخصية وإنما لسبب واحد فقط هو أنك المشكلة، في قلبكَ وصخوره!

‏أنك أضعت نفسك ولازلت ترجو المغفرة منك. أن اهتمامهم، احتكاكهم، أسئلتهم وحتى لومهم يزيد الوجع والحيرة، يزيد رغبة جلد الذات والغرق في طوفان الأسئلة.

ولا يبقى في النهاية لك إلا أن تنادي::

أيها الجزء الآخر ممن يزيدون الحياة صعوبة وألماً علينا!

أحترمكم جميعاً وأحبكم بنفس القدر الذي شعرتم به آخر مرة كنتُ سليماً فيها. اليوم وربما للأبد الذي لم يصله أحد أنا غير صالحٍ للتعامل اللطيف معكم، الإحتكاك بكم مع الحب الذي ألفتُـموه عنّي. سأحاول شحن نفسي، ملأ روحي، و استعادةَ توازني…

‏وإن حصل ونجحت وكنتُ مثلكم لازلتُ أرغب في رجوع الود بيننا والقرب فسألقاكم، أما إن كانت أنفسكم عزيزة أو كنتُ أنا قد امتلأت بنضج يضع نقطة نهاية لوجودنا معاً، فأحترم ذلك و أتمنى أن تفعلوا أيضاً، وأعدكم بحمل الخير لكم في صلاتي دائماً.

العالم

سنة/شهر/يوم

أنا

جدتي أمي.

الحياة كذبة، تصدقها الأيام ويثبتها الموت…!

أذكر في طفولتي المرحة كنت مع الصديقات نلعب لعبة التعارف، وعندما نصل إلى الأجداد الذين غالبا يكون عددهم مبتور عند الجميع بمقادير مختلفة، يأتي دوري متوتراً قلقاً خائفاً من كمال العدد، فـيفكر في حزن سيأتي، فقدٍ محتم وأيام ثقال مؤكد أنها ستزور في موعدها، أجيب أن الجميع حي يُرزق، ولا ترتسم في ذهني إلا صورة أمي واستفهامي الذي يخصها دون سواها:  أن إذا ما مسّها الحزن ماذا أفعل معها وكيف أُعزّيها !!!

لأنّي أعلم أنها وحدها إذا مسها الحزن؛ عالمي كله وحياتي سَتَضْحى دون لون ولا عون… فماذا عساي أن أفعل أيتها الأيام وأكبر ما خشيته قد جاء ليأخذ مني أكثر من أحببت، ألطف من عرفت، وأعظم من رحبت بها الحياة على أرضها؟ ماذا أفعل وأمي التي ولدتْ أمي رحلت، ورحلت معها معاني أشياء كثيرة كانت تلمع في عيون أمي ما عُدت أراها!

أين عساي أن أذهب بهذا الشعور الثقيل بثقل جبل وها أنا أعيش سُنّـة الحياة بعيون نشف دمعها و ذكريات لا تنقطع ولا تهدأ؟ ثم هناك الندم على تواصلي المبتور، مقر اليأس ومخزن الأسى علي، الندم الذي يجعل النوم دائماً بعيد، فكيف فوّت كل تلك الساعات التي كان يمكن أن تكون أعظم بقرب مبسمها وحكاياتها؟

 

لقد رأيتُ جدتي – رحمها الله –  قبل موتها في سبتين متلاحقين، وليست من عادتي لصق الزيارات ببعضها، – إن عاداتي عمياء ومحرومة من كثير من نعم الحياة ها أنا أعترف -.

في السبت الأول كنت أحمل كتاباً أقرأه، داخله قلم تأشير أصفر، ضاع القلم وأنا جالسة بقرب حبيبتي، وبدأت أبحث وهي تبحث معي عنه، حتى أنها قامت من على سريرها لأجلي ولكننا لم نجده، في نهاية اليوم بعد قبلة الوداع قالت لي 😦 والقلم اندورهلك وانسدهلك .)

مضى أسبوع ونسيتُ أمر القلم وقصته لكنها لم تنسَ، بعد فنجان القهوة التي في السبت الأخير نادتني على انفراد كأنه شأننا الخاص وقالت لي:( هذا قلمك ولا؟ تعرفي لقيته تحت الشغشير، خوديه ودسيه راهو يريح مرة ثانية.) دخلت خالتي تعقب على حرص جدتي تقول: (مخلتنيش اندسهلك قتلي بنعطيهلها أنا، وهي عرفت نوعه وأنا ماعارفته، إن شاء الله ربي مايحرمك منها!).

الكذب حرام والمبالغة نتنة وتلك العبارة نخزت قلبي هي وآميني التي خرجت من أعماق روحي ورجائي… وها قد رحلت هكذا بكل خفة!

جدتي التي كانت تعرف تمييز نوع الشكولاتة التي أحب فتضعها في درجها حتى إذا أتيت خصتني بها دون غيري، وهي الوصية على مشاعر الجميع فتوصيني أن آكلها بسرية حتى لا يزعل أحد.

جدتي التي تفرش على أقدامي نصف غطائها حتى أكون أقرب، وتوصيني أن أرجع للزيارة ولا أتأخر، جدتي القلقة على دراستي أكثر مني وعلى مستواي وتقدمي أكثر من أمي … ولم يكن هذا اهتماماً يقتصرعلي بل هو نفسه على كل فرد من عائلتها، فإن كان هناك حقاً موطن للحب أو بذرة بداية له فلا شك ستكون روحها، فكانت صاحبة قلب تشبهه خالتي بأنه “جبل من الصبر” ولا أحد يستطيع تخيل مثال أكثر واقعية.

يصعب علي،  بل يصعب على كل العالم – ولو اجتمع – على أن يصفها أو أن يصف حياتها وصبرها وحبها وقلبها وذكاءها، ببساطة لأنها واسعة، واسعة جداً، لا يستطيع أحد ادراكها كلها مرة واحدة!

photo_2020-02-05_23-40-13

أخذ الله أمانته ورضينا، أخذ السيدة زينب وقلوبنا غمرها الإيمان؛ لكن الحياة خدشت قلوب 5 رجال و 4 نسوة، خدشتهم وعلّمت على قلوبهم، ثم سكبت على جروحهم ملحاً عندما خرجوا ووجدوا أن الحياة بعد أمهم تريد أن تستمر، فـيلتفتُ الجميع لحياته، أما هم فيبقون في غرفتها يدورون في الدار سبعاً، يبحثون عن حياتهم، عن أمهم.

و أنا فسأبقى أضع تلك الخاتمة لي معها في قلبي وعقلي، مؤمنة أنها تحمل الكثير الكثير الكثير من المعاني والعلامات، ذكراك خالدة يا عظيمة.

أصلي لله أن تُـبقي على زياراتك لي في المنامات، فمنذ رحيلك هذا ما يؤنس عليا الصباحات. أشتاق لكِ وأحبكِ.

أما أنت فـالزم من تحب، الزم من تحب، الزم من تحب أرجوك ولا تسأل لماذا ولا تقول غداً.

 

بعد عام، أنا فتاة العشرين سنة.

IMG_4425.PNG

 

قبل أيام على الخط الزمني في حسابي الثرثار على تويتر، قرأت عبارة لا يمكنها إلا أن تصف سنة 2019 ، شعور مروري بها أو ربما مرورها بي، وخطر لي سؤال “أين تذهب السنوات حينما تنتهي منّا؟ ”

تقول التغريدة :” هناك عام يمر، تشعر معه كما لو كان عشرين عام “، ولأن ذلك حقيقي أجدني بعد انتهاء هذه السنة أعرّف بنفسي قائلة:” مرحبا، أنا فتاة العشرين سنة “، وكأنه الرقم الضخم الذي استطاعت هذه الشهور اعطاءهُ لي واستطعتُ أن آخذه منها بمشقة وألم وعناء ومعرفة ووعي، في الواقع إنه لمن المحبط أن يستمر أبي في استصغار هذا الرقم، وأن تستمر أمي في قلقها بشأنه، لكن ما يهمني هو أنه من السعيد جدا أنني سعيدة به ممتنة له.

بعد عودتي للجامعة في الأيام القليلة الماضية، مررت بمشهد هو المسبب لهذه التدوينة، كان في الردهة التي يُعرّفها الجميع بأنها منفى المعدلات المتدنية والعلامات المتأففة ( أقصد F )، فتاة تجلس على كرسي وتبكي، تغطيها صديقتها بقامتها القصيرة وتقول لها مكررة :”لا بأس، سوف يصبح كل شيء من الماضي”، لتردّ عليها برجفة الدموع التي قطعاً ليست دموع درجات:” لكنك لا تفهمين معنى أن يبذل الإنسان نفسه من أجل آخر، ثم لا يجده!”

ثم تذكرت أن علي احترام خصوصية الموقف، أكملت سيري وأنا خالية من الفضول لمعرفة باقي الحديث، فقد سبق وكنتُ على كرسيٍ يشبهه، سبق وأن كنتُ صديقاً لتائه، وعشتُ شعور أن أبذل نفسي في آخر ثم لا أجده، أعرف طعم الدموع، وأفهم مذاق الألم، وللمفاجأة فأنا عشت كل هذا في سنة واحدة، بدأت مع بدايتها وها هي الأشياء تنتهي مع نهايتها بطيب خاطر وعزاء.

IMG_4426.PNG

عزيزتي فتاة المقعد، أصدقاؤها وكل من يعرفها ومن لا يعرفها: مرحبا، أنا فتاة العشرين سنة!

قبل عام كان تعريفي لنفسي وللعالم مختلفاً تماماً، دخلت في حياة تشبه النفق المظلم، كان داخله جلّاد لا يرحم، كان ذلك النفق مليئا بأبواب كلها تؤدي لأماكن أشد ظلمة وقد طرقتها جميعها ودخلتها هربا من يد الجلاد، لكن الظلام كان أشد ألما عليّ وأكثر رهبة فرجعت له.

قبل عام كان جواب أي سؤال يبدأ بـ “ماذا؟” هو :” أحتاج “، حينها احتجتُ صديقاً يعطيني أي نصيحة خرقاء أبدأُ منها حياة ضائعة، احتجت يداً تربت وكتفاً أستند عليه، احتجت مبسماً يخبرني همساً :” كل هذا سيصبح من الماضي”، ولأن لطف الله خفي، وجدت كل ذلك، ولأن المرء يتعافى بـوعيه، لم أتعافى!  وكان الألم يعيش معي ويأكل داخلي كدودة جائعة، وبلا شك كنت ثمرة ناضجة ولذيذة كما أُخبِرت، أصدقائي وأكتافهم كانوا شموعاً وكانت ريح صوت الجلاد تطفئهم وتجلدني بلا توقف.

ولأن الأوجاع لا تأتي فُرادى والأيام لا تمر دون استفهامات تلحدك و تقتلك، كدت أن أفقد إيماني بمن احتجت، فاستفهامي لسبب مساعدتهم لي لم يتوقف عن ملاحقتي، كيف تحملوني ومن أين وجدوا كل ذلك السلوان الذي قدموه لي؟ فخِفتُهم، و كنت أستند عليهم مع قلب واقف وحذر، يذكرني أنني ما احتجت هذا الكتف إلا لأن هناك آخر اعتقدت أنه كذلك، أعطيته حينها الأمان وسلمت حياتي باسم صفات كثيرة، لكنه غادر فـتهتْ، فلماذا أُقامر ثانية وأراهن على أشياء لا أثق أنني أملكها؟

سُلبت مني الخيارات، فإما أن أقبل أنها صفات الصداقة، وإما أن أكمل وحدي دون أحد! ولأن الخيار الثاني كان مستحيلاً، سلّمت نفسي للطف الله الذي يعطيني الجواب اليوم، عرفت أن الذي يُساعد، ينقذْ، والذي ينقذ يُسعدْ، والذي يُسعدْ يشعرُ بوجوده وحقيقته، ثم إن امتنان نصف إنسان يكفيك لتعيش هنيئاً فما بالك بامتنان إنسان كان يردد دعاء الخلاص على لسانه فأوقفه كتفك؟

كان لابد أن يتمنى شعوري الخلاص وكان لابد من أن يحصل عليه، ليس في الصورة التي طلبتها، بل خلاصاً يحلم به كل من يشعر أنه عالق في ظلامٍ ما.

تغادر هذه السنة ويغادرني الجلاد، كان عليه أخذ متاعه ومشاعره من داخل جسدي فغز به حُمى لثلاثة أيام، كنت كمقلاة على موقد، وكان جسدي كغطائها الشفاف، كنت أحسب أنني انتهيت وما علمت حينها أنني تطهّرت.

عام من الخذلان يُطوى، أخذ الوقت الذي يحتاجه، أدركتُ وتعلمتُ معه، عشتُ له وقرأتُ فيه بحثا عن أجوبة، ولأنني لم أجدها؛ غيّرت الأسئلة! فكما قال آلان دو بوتون في كتابه الرائع عزاءات الفلسفة ” وحدها الثقافة البحثية على نحو هائل تجعلنا نفكر بطريقة مغايرة “.

سنة سمينة، رحمها ليس رحيم، حبل غذائها لا يقبل إلا الدموع، أكلتْ مني وأكلتُ منها، لم نتعادل ولكنني لم أخسر، فوُلِدت فتاة بعشرين سنة.

يعيش المرء أحزانا كثيرة، يأكله المرض ويطويه الخذلان، تسكته الخيانة وتبكيه الوحدة، ينهيه الكتم ويخيفه الاعتياد، ومع كل ذلك يتخطى، يمضي ليعيش.

مهما كان ذلك الشيء الذي كانت تبكيه تلك الفتاة، ومهما كانت ” الأشياء ” التي بكيتها، فهي مرت وتمر، يعالج الوقت كل شيء ويصلح الأصدقاء كل عطب ولا يخرجنا لطف الله من الأنفاق بل يثبت فينا إدراكاً نسميه أحياناً ” إيماناً”  يشبه مصابيحا على رؤوسنا.

 

2019 لا تعودي ثانيةً.

سنة لا عام .

 

 

 

جردُ نوڤمبر للأفكار📌

هذا جردٌ فِكْري ارتجالي تاريخه ٢٥/ تشرين الثاني / ٢٠١٩.

أكتب تاريخه بنية حفظه ورؤية التغيير بعده، فأنا سأتغير وستتغير طُرق ترتيبي لِـفوضايْ بعد شهر أو اثنين وسينقلب مفهومها بعد سنة أو أقل، وسأتمنى حذف سردها ونسيانه بعد ثلاث سنوات أو أربع.

فلماذا نُصرّ ونقول أننا لم/لن نتغير؟

  • عجيب! أجل عجيب أمر نفسي حين تقول: (لن) أتغير!

ولازلت أتعجب لأنّي لازلت أقول أنّي “أعتقد” أن لي ركائز لن تتغير، ولكن من قال؟ فـلا أحد يملك ضمان ركـاز العقل وثبات النّـفس وتقلّب القلب….فما بالكَ بـِ جنون الحياة والأقدار؟

يجعل هذا الجدال داخلي متشابك، متداخل مثل كومة الصوف التي كانت تُدخلها أمي بين يديها وتطلب مني تخليص تعقيداتها ببطءٍ لـألُـفها على شكل كرة.

كانت تلك المهمة صعبة ومملة، لكن نتيجتها مرضية لتَغْـيِـيرٍ تُسَرُّ له العين وترضى بيه الساعات المهدورة عليه!

ولشيءِ من التفصيل المكتنز بالمعنى؛ فقد كانت أكثر مرحلة مؤذية في قصة الصوف هي حينما يستحيل علينا تخليص التشابك بين الخيوط فتجبر أمي مع أسفٍ شديد في قلبها وأسفٍ منطوق على لساني أنها ستقطع جزءاً منه ليتخلص الباقي وينفك.

🎬 ذلك القطع يذكرني اليوم بالأشخاص والأفكار والأماكن التي قطَـعتُ ارتباطي بها لتسيرَ كرةُ صوف حياتي، لتستطيع الفتاة الصغيرة داخل عقلي لفّ الخيوط بشكل صحيح وتسليكها بشكل يسير، محتفظةً بعادة الأسف والتأسف.

لأنّ هذا أيضاً عهدٌ لا يستطيع أحدٌ أخذه على الحياة، أن تدوم علاقة، فكرة أو أن يحيا حبّ مكان داخلك للأبد، فهذا يشبه أن تتعهد بِـ لفِّ كومة الصوف دون أن تقوم بِـ قطعٍ واحد قط. -وجرّب أن تفعلها!-.

يتلخص القول أن هذه الأيام صعبة، وأن صعوبتها ضرورة، وتسهيل مرورها مؤجّل، وأن اللطف بيد الله وحده، وأنني تغيّرت وأتغيّر وسأتغيّر، وأن الأماني تنحصر في أن يكون تغيير نحو الخير وما أحب فقط..

اليوم أنا أعتذر للعلاقات والأفكار والأمكان التي كانت تعيق سير عملية تكوير الصوف داخل رأسي، أحببتكم وزرتوني في المنام، ودافعتُ عنكم وحتى بكيت لكن نفسي بغتْ وعندما قطعَتْ ارتاحتْ.

 فأنا لا يوجد في داخلي غير كور الصوف، الخارج هو الذي يشوهني.

جهل البدايات.

لأن التجاوز أصعب من أي شعور آخر، ولأن المضي مع عدم الإلتفات هو أكثر ما قد تعجز على فعله يوماً؛ لأنه يطعن ظهرك ويحرق قلبك ويأخذ قطعة منك كتذكار أبدي، لأن حياةً تدور حول التفكير في شكل حياة آخر وهل تملؤها الخيبة والصمت أم الرحلات والضحكات العالية حياة تقود إلى الجنون، لأنك تفهم كيف لمشاعرك أن تظلمك وتدخلك داخل أيام مظلمة ليس فقط لأنك خَسَرت بل ما يحرقك أنكَ لم تشعر قط أنك خُسِرتْ!

ولأن كل هذه الأمور سبق وأن عاشها كل واحد منّا مرة على الأقل، نعلم أن البدء أمر ليس هيناً ولا بسيطاً ولا مرحاً مليئاً بفضول معرفة المجهول وحسب، ليس فقط لأن المجهول يحمل معه أعباءهُ وأسرارهُ أيضاً بل لأننا حينها نكون خائري القوى مسلوبي الثقة، قلوبنا هشة تحيط بها أسئلة أجوبتها لا تعرف النفي!

فـتبدأ رحلة المجهول..

هل سيكون هناك إلتفاتٌ عن هذا أيضاً؟ هل سأحمل أثقال هذه الإبتسامات معي بعد فترة قد تطول وغالباً لن تفعل؟ هل سأرجع لمسلسل الإنتظار الذي لا ينتهي؟ هل سيتكرر الألم الذي لا توقفه الأدوية ولا أعياد ميلاد الأصدقاء؟

والخذلان هل سيكون ذلك الذي يجلب معه بكاءً صارخاً أم الذي يخرِسُك لأسابيع وشهور حتى تنسى صوتك؟

والأيام التي لا تعرف إلا الليل الطويل الذي يجلد بالأسئلة واللوم، هل ستكون نفسها أم لدى هذه البداية كتف و أضواء؟

في كل هذا لن تجد نعم تعطيك الأمان،

فهل يستحيل أن تُـقَـدَّمَ لي طمأنينة العالم أولاً ومن ثم نبدأ؟